الغزالي
13
إحياء علوم الدين
ومنها ، أن يزيد في توقير من تدل هيئته وثيابه على علو منزلته ، فينزل الناس منازلهم روي أن عائشة رضي الله عنها كانت في سفر ، فنزلت منزلا ، فوضعت طعامها ، فجاء سائل فقالت عائشة . ناولوا هذا المسكين قرصا ، ثم مر رجل على دابة ، فقالت أدعوه إلى الطعام فقيل لها : تعطين المسكين وتدعين هذا الغني ! فقالت : إن الله تعالى أنزل الناس منازل لا بد لنا من أن ننزلهم تلك المنازل . هذا المسكين يرضى بقرص ، وقبيح بنا أن نعطي هذا الغني على هذه الهيئة قرصا . وروي أنه صلَّى الله عليه وسلم دخل بعض بيوته ، فدخل عليه أصحابه حتى غص المجلس وامتلأ فجاء جرير بن عبد الله البجلي ، فلم يجد مكانا ، فقعد على الباب . فلف رسول الله صلَّى الله عليه وسلم رداءه ، فألقاه إليه ، وقال له « اجلس على هذا » فأخذه جرير ووضعه على وجهه ، وجعل يقبله ويبكى ، ثم لفه ورمى به إلى النبي صلَّى الله عليه وسلم وقال : ما كنت لأجلس على ثوبك ، أكرمك الله كما أكرمتني . فنظر النبي صلَّى الله عليه وسلم يمينا وشمالا ثم قال [ 1 ] « إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه » وكذلك كل من له عليه حق قديم فليكرمه . روي أن ظئر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] التي أرضعته جاءت إليه . فبسط لها رداءه ، ثم قال لها « مرحبا بأمّى » ثم أجلسها على الرداء ثم قال لها « اشفعي تشفّعى وسلي تعطى » فقالت قومي . فقال « أمّا حقّى وحقّ بني هاشم فهو لك » فقام الناس من كل ناحية وقالوا : وحقنا يا رسول الله ثم وصلها بعد ، وأخدمها ووهب لها سهمانه بحنين ، فبيع ذلك من عثمان بن عفان رضي الله عنه بمائة ألف درهم [ 3 ] ولربما آتاه من يأتيه وهو على وسادة جالس ، ولا يكون فيها سعة يجلس معه ، فينزعها ويضعها تحت الذي يجلس إليه . فإن أبي عزم عليه حتى يفعل